التخطي إلى المحتوى
الفروسية المغربية ” التبوريدة ” فن و تراث
الفروسية - التبوريدة

 الفروسية المغربية الاستعراضية، أو الفانتازيا ” fantasia “، أو ما يسمى بفن ” التبوريدة “، هي أسماء عدة لتراث شعبي مغربي عريق. توارثته الأجيال منذ قرون، و هو طقس احتفالي استطاع الصمود بفضل ما يحمله من خصوصية و جمالية، إذ هو مصدر البهجة و المتعة للمتفرج.

فن الفروسية تنظم له العديد من المهرجانات والاحتفالات في بعض المدن المغربية، التي تستعرض فيها القبائل و العائلات مهارات أبنائها على الفروسية و فنون القتال، و الذي تطور إلى إطلاق النار أثناء عدو الخيول، و هو ما يسمى ب ” التبوريدة “.

معنى و تاريخ ” التبوريدة ”

” التبوريدة “ اسم مشتق من كلمة ” البارود “، الذي ينطلق من بنادق الفرسان أثناء العدو في السباق، و يعود تاريخ هذا الفن العريق إلى القرن 15، و هو عبارة عن استعادة مجد، و تاريخ الفرسان المغاربة الشجعان في الحروب التي ولت، و يعتبر نوع من الاستمرارية للبطولات التي أنجزت أثناء صد المغاربة للمستعمر، و رد الغزاة عن الثغور المغربية، سلاحهم فقط البنادق و الخيول.

و الفروسية، هي أحد وسائل الكفاح و الجهاد ضد المحتلين الغاصبين، و المعتدين على حرمات البلاد، فتحولت بعد ذلك من طقس كفاحي حربي إلى فن فلكلوري، يعج بالجمالية والروحانية، يبحر بك من الواقع إلى عالم الخيال، يشعرك و كأنك وسط معركة أو هجوم عسكري شن بين جيشين، تبرز فيه الدقة و تناغم الفارس و جواده و تتعالى فيه أصوات الحماسة.

صورة لسباق الفروسية المغربية أو التبوريدة.
الفروسية المغربية فن و تراث متوارث عبر الأجيال

الفروسية أو ” التبوريدة “، فرجة و براعة في الأداء

إن مهرجان ” المنصورية ” من أقدم مهرجانات الفروسية في المغرب على الاطلاق، يعود لأكثر من ثمانين سنة، تشارك فيه فرق من شتى مدن المغرب و قد تصل إلى قرابة تسعة عشر مدينة و وجهة مختلفة.

و هذه المهرجانات تتميز بطقوس و أجواء خاصة، فالفرسان يرتدون ملابس تقليدية مزخرفة، يحملون سيوفا و بنادق، يمتطون أقوى الجياد المدربة و أسرعها.

في بداية كل عرض، تتقدم الفرقة و تلقي التحية على الحاضرين برفع البنادق للأعلى، ثم ينطلقون بسرعة الريح، و يطلقون النيران بذاك الصوت المدوي، مع تطاير الغبار و رائحة البارود.

إن الفوز دوما يكون حليف الفرقة الأكثر تنظيما في لباسها المحكم و المرتب، و في سرعة الانطلاق، و إطلاق البارود في نفس اللحظة، أي أن الطلقة القوية و المتزامنة تكون هي معيار الفوز واستحسان لجنة التحكيم.

والميالون لهذه الهواية ” ركوب الخيل ” يحضرون من مناطق شتى لهذا المهرجان، سواء من المغرب أو خارجه، منهم أطباء و مدرسون، و موظفون حكوميون، و مهاجرون أوروبيون…، جمعهم عشق ” التبوريدة ” و رفع البنادق و الاستعراضات البطولية، و تنفق على مثل هذه المهرجانات و المواسم، أموال طائلة لإنجاحها و المحافظة على هذا التقليد العريق حتى لا يندثر.

” التبوريدة ” أو الفروسية تقليد و تراث

تتكون الفرقة من عدد معين من الفرسان، ما بين 10 إلى 20 فارسا محنكا، تسمى بـ ” السربة “، يترأسها رئيس الفرقة و يسمى بـ ” المقدم ” و هو المسؤول عن تنسيق حركة الفرسان و الخيل على حد سواء، موضعه دائما في الوسط، يقفون مصطفين على خط الانطلاق حتى تعطى لهم الإشارة.

أما مضمار السباق، فيتراوح طوله بين 150 و 200 متر، و يسمى بـ ” المحرك “، و الخيول الأكثر تكيفا مع هذه السباقات، هي الخيول العربية البربرية المدربة.

و اللباس يجب أن يكون تقليديا و موحدا و يتكون من :

      • سلهام صوفي أو ” برنس”، و هو رداء طويل من الصوف يوضع على كتفي الفارس.
      • سروال تقليدي فضفاض.
      • عمامة تلف حول الرأس بطريقة خاصة.
      • أحذية جلدية تقليدية، و هي تتكون من قطعة واحدة، تصل إلى ما دون الركبة.
      • مصحف يوضع في علبة صغيرة، يطلق عليه: ” دليل الخيرات “.
      • قفطان بسيط و مطرز، متناسق الألوان.
      • خنجر في غمده ذو اللون الفضي.

و كذلك جودة عدة الخيل، وبعض الزينة التقليدية، ذات الطابع المغربي الأصيل. في السرج و الركاب و اللجام… ، فأحيانا تفوق زينة الفرس الفارس، و تأخذ بعين الاعتبار أثناء التباري.

شروط وجب توفرها في كل فارس 

إن الفرس و الفارس، هما بطلا هذه الملحمة البطولية، لذلك فلا بد من مهارات و جب توفرها في الفرسان و الفارسات:

    • سرعة التحكم في الجياد المندفعة الجامحة، و إبقائها في الصف قبيل الانطلاق.
    • إجادة التحكم في حمل البندقية و تحريكها و رفعها أو رميها في الهواء أثناء سرعة جري الفرس.
    • التحكم الجيد في البندقية، و إعدادها للضغط على الزناد عند الإشارة بإطلاق البارود.
    • اللياقة البدنية، و مرونة الحركة.
    • الالتزام و طاعة أوامر القائد.

هل للمرأة نصيب في هذا التراث العريق؟

لم يعد مضمار ” الفروسية ” يحتكره الرجل، بل هناك من النساء الشغوفات بهذه الرياضة، وقد ولجن هذا الميدان و برعن فيه، خاصة القرويات منهن، المعروفات بالشجاعة و الجرأة، فقد حدا بهن طموحهن لامتطاء صهوة الأحصنة، و الامساك بعنانها، و حمل البندقية المحشوة بمادة البارود، المتفجرة المدوية التي تصم الآذان، عند الضغط على الزناد.

يطلق عليها اسم ” التبوريدة النسائية “، منهم على سبيل المثال، مجموعة أطلقت على نفسها ” بنات المحمدية “، هؤلاء النسوة اللواتي زاحمن الرجال على ظهور الخيل، لم يكتفين بالتشجيع و إطلاق الزغاريد، بل انتقلن من موقع المتفرج المكتفي بالمشاهدة و التشجيع، إلى مرتبة الفارس المقتحم الميدان، اخترن ولوج هذا المضمار، الذي يتطلب صبرا و شجاعة و إقداما.

و قد وصلت ” التبوريدة الناعمة ” لحد الآن إلى تكوين سبعة فرق نسائية من الفارسات المتمرسات، من عدة مدن من أرجاء البلاد، مقابل مئات الفرق الرجالية.

إلا أن هذا الاقتحام النسائي لم يكن سهلا في بداية الأمر، فقد أثار دهشة و استغرابا، و نوعا من الانتقاد في أحايين كثيرة، لأن هذا الفن يحتاج القوة لحمل البندقية و ترويض الخيل، لكنهن أثبتن عكس ذلك، و دخلن في منافسة أبن فيها عن قدرتهن، و حبهن لهذا الفن الثراتي، واعتبرهن البعض قيمة مضافة لتلك العروض البطولية، بل و استقطبن جمهورا عريضا من سياح أجانب و مغاربة، فقد أضفن جمالية خاصة إلى عروضهن.

ومن الحب ما قتل

تبقى عروض ” التبوريدة ” من أنواع الرياضة التي لا تكاد تخلو من مخاطر  لعشاقها،  و مشاهد مروعة و دامية، فكثيرا ما تتسبب في حوادث و عاهات مستديمة لأصحابها، فهي تتفاوت ما بين سقوط و دهس، و قد تصل أحيانا لحد الموت، حينما يصاب أحدهم برصاصة طائشة ومميتة، رغم دربة الفارس و تمكنه و أخذ احتياطاته.

عروض الفروسية المغربية في واقع الأمر لاقت إقبالا كبيرا، مما منح السياحة في المغرب انتعاشا و ازدهارا، وهي أيضا تمنح المناسبات و الأعياد جمالية خاصة.

ينظم المغرب معرضا سنويا بمدينة الجديدة، وعروضا أخرى تقام ببلاد المهجر لجاليتنا المغربية.توزع خلال هذه المسابقات، الجوائز و المكافئات للفرق الفائزة و الموهوبة، و الأكثر إبداعا، و الأكثر احتراما للقواعد التنظيمية للعبة، و ذلك أثناء احتفالية جائزة الحسن الثاني في ” أسبوع الفرس” بدار السلام، وهي التفاتة ملكية لهذا الفن المهدد بالانقراض.

و قد ألهم هذا الفن بعض الرسامين، و الفنانين التشكيليين، حيث أنجزوا لوحات ساحرة و غامضة في آن، فهناك لوحات لأشهر الرسامين تظهر السباق في الحلبات و التناغم بين الخيل و الخيالة، و تلك الألعاب الشعبية، و الملابس الخاصة التقليدية بألوانها الزاهية، قد خطها الفنان بريشته على لوحاته، رغم صعوبة رسمها،  فكانت سببا في انتشار سمعة هذه اللعبة، كما أقيمت معارض خاصة بالفرس و الفروسية ساعدت في  شهرتها على أبعد مدى.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *