التخطي إلى المحتوى

الفن أو الإبداع رزق من أرزاق الله العديدة، فالله سبحانه و تعالى وزع أرزاق العباد، و فضل البعض على الآخر في الرزق لحكمة يعلمها سبحانه، و الرزق ليس بالضرورة مالا، فالصحة رزق، و الخلق الحسن رزق، والصديق الوفي رزق …، و الفنون بشتى أنواعها أيضا أرزاق من الله المبدع هي الأخرى، كل شخص حباه الخالق، الله الجميل الذي يحب الجمال، بإحدى المهارات الجميلة، و المتعددة، فهناك الممثل، و المغني، و الموسيقي، و الرسام، و النحات…

هل الموهبة فطرية أم مكتسبة ؟

الموهبة إما أن تكون فطرية، تنمو إن هي وجدت بيئة مناسبة لها، أو تكون مكتسبة فتحتاج إلى التدريب المكثف مع الإصرار، قد تخلق تلك المواهب مع الإنسان، أو قد يكتسبها بسبب ميوله، و يتقنها مع الممارسة، و هناك من يكتشفها بداخله في وقت مبكر و يطورها … و هناك من لا يحس بتلك الموهبة إلا بعد أن يشيخ و يكبر، فيضيع على نفسه لذة الاستمتاع بها.

و قد تجتمع مهارة أو مهارتان أو أكثر لدى بعض الأشخاص، فيتقنها كلها بنفس الدرجة، أو  قد تتفاوت لديه في الدرجة فيميل لأحداها و يتعهدنا دون البقية.

بداية عشق فن الرسم

كانت تعشق الرسم و هي جد صغيرة ذات السنوات الأربع، تعبث في حقيبة يدي لتبحث عن الكراسة و القلم، اللذان لا يفارقان تلك الحقيبة، أحملهما دوما معي لأجلها، عند زيارة صويحباتي، أو في الزيارات العائلية و الاجتماعية … أحملهما فقط لأنهما الشيء الذي يجعلها تستمتع و تنسى العالم حولها و لو للحظات .

ذكريات لا تنسى

لازلت أذكر تلك الخربشات، الغير واضحة المعالم في كثير من الأحيان بالنسبة لي، لكنها قد تعبر عن مكنوناتها الخفية، و عما يختلجها في داخلها من نوبات فنية.

كلما أدرت صفحة من تلك الصفحات، تناثرت على جنباتها بعض الرسومات، كالفراشات و القطط … و كثيرا ما تتكرر صور الورود  و أشكال  العيون …، لم أفهم ساعتها أن لدي فنانة موهوبة تعشق الرسم و كل ما يتعلق به.

لم أفهم ذلك إلا بعد أن لاحظتها تتقن الرسم  يوما بعد يوم، صار لديها ولع يجعلها تغلق عليها باب غرفتها و تقضي الساعات تلو الساعات،  دون كلل أو ملل، و كأن الزمن توقف لديها… إنها لحظات المخاض الفني.

لوحة فنية لمنظر ثلج

كانت تختار الألوان بحذر، و تمزج بينها بكل انسجام و تناغم، و بدون تنافر … و كلما كبرت يكبر معها عشقها لهذا الفن، و لكل ما هو جميل …

صورة الطبيعة بأحرف أمازيغية

 مثابرة و إصرار

في عقدها الثاني، و خلال مسيرتها الفنية، بدأت مبدعتي تحاول الرسم بوسائل أخرى، غير الأقلام المعتادة و الورق، رسمت بأشياء متواجدة في المطبخ… رسمت بالقهوة، و تدرج ألوانها البنية، كنا كلما مررنا قرب إحدى تلك الرسمات، فاحت رائحة القهوة القوية، و هي تداعب الأنوف، و تعطي إحساسا جميلا بالنشاط، جربت الرسم ببعض البهارات أيضا التي لم تسلم من تجاربها، كالكركم الأصفر و الفلفل الأحمر من باب الاكتشاف و التنويع…

 تجربة فريدة و بداية مسيرة موفقة

و بعيدا عن الأوراق الخاصة بالرسم، جربت  الرسم على الثوب الخاص بالرسم في المرحلة الموالية، رغم صعوبته في البداية، إذ عليها تثبيته بإحكام أولا على إطار خشبي يصنعه النجار، ثم يثبت الثوب بمسامير ليكون مشدودا جدا ليسهل الرسم  عليه، بعد تهيئة اللوحة، عليها اختيار أنواع الصبغات التي تساعد على وضوح الرسمة و الثبات على الثوب…  

صرنا كأسرة نشاركها عشقها للرسم، لم نعد نكترث لفوضى الأوراق، و الأصباغ المتناثرة هنا و هناك، و التي كنا ننزعج منها في البداية، فقد صار كل شيء مألوفا، و بدأنا نتقبل كل شيء من أجل تشجيعها لتمضي قدما في مجالها الذي تعشقه.

ماكياج سينمائي

تجربة الماكياج السينمائي التحدي الأكبر

في مرحلة متأخرة، اكتشفت لديها موهبة، ليست بالبعيدة كثيرا عن عالم الألوان، و الأصباغ…، إنها موهبة الماكياج السينمائي، صارت تقلد أي شخصية من الشخصيات المشهورة في بعض الأفلام، أو بعض الأبطال السينمائيين، و التي كانت تشكل لها أكبر تحدي…

شخصية سمارا المرعبة

فبفعل بعض الأصباغ، و النحت على الوجه، من تنحيف و تغيير للملامح، استطاعت تقليد  شخصية ” جاك سبارو ” المشهورة، و شخصية ” سمارا ” من فيلم ” The ring “، و الساحرة و التفاحة، المستوحاة من أفلام الرعب المخيفة … إضافة الى بعض الحيوانات كالنمر  و الأسد … معتمدة على إمكانيات جد بسيطة، و متوفرة في البيت.

لكن للأسف، فأن فن الماكياج السينمائي لم يلق تشجيعا في بلدنا، كما هو الحال في أغلب البلدان العربية، مقارنة مع بلدان الغرب المعروفة بصناعة الأفلام و ازدهاره في هذا الوسط.

ماكياج سينمائي شخصية الأسد

 

كثيرا ما كانت تدخل الفرحة لنفوس الأطفال الصغار، بوضع رسمات جميلة على محياهم، في بعض المناسبات، كالأعياد، أو الحفلات المدرسية… لتكتسب خفة يد أكثر، و تزيد من إتقانها لهذا النوع من الفن .

كوفيد 19

ولا ننسى مشاركتها أيضا ي مجال الرسم على الجداريات، سواء في المنطقة التي تسكن بها، أو في بعض المناطق الأخرى التي استدعيت إليها مع ثلة من أصدقائها الرسامين الشباب، والذين يشاركنها نفس الشغف لهذا الفن.

ضوء القمر

بعد ذلك شاركت في بعض المعارض و التظاهرات الفنية المحلية، عرضت من خلالها لوحاتها و أعمالها الفنية، و التي تعبر عن محيطها، وبعض أحاسييها،و عن الواقع المعاش.

تمثال

هدف قد يتحقق

إنها تجربة و إحساس جميل، أن يكون في بيتك فنان موهوب، فبفضلها صرنا ملمين ببعض القواعد الخاصة بالرسم، من كثرة تردد تلك المصطلحات على أسماعنا، كالتمييز بين الألوان الأساسية و الثانوية، و كذا الألوان الحارة و الباردة، و الترميد … و غيرها من المصطلحات المتعلقة بذلك العالم الجميل الذي لا يمكن سبر أغواره، إنه عالم الرسم و الألوان الزاهية.

و كأي فنانة تشكيلية،  لديها حس مرهف، و ذوق رفيع راق، تحب كل ما هو جميل في كون الله.

تلك هي فنانتي الصغيرة، و الموهوبة، التي تحلم دوما بإقامة معرضها الخاص يوما ما، ذاك الحلم الذي يدغدغ مخيلتها بين الحين و الآخر، ذلك الحلم القريب البعيد، الذي  يزيدها إصرارا، و صبرا، و مثابرة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *